محمد بن جرير الطبري

151

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

إيَّاهم كذلك بقوله : ( ربِّ العالمين ) ، فأولى الصّفات من صفاته جل ذكره أن يَتْبَع ذلك ما لم يحْوِه قوله ( ربِّ العالمين الرَّحمن الرحيم ) ، مع قرب ما بين الآيتين من المواصَلة والمجاورة ، إذْ كانت حكمتُه الحكمةَ التي لا تشبهها حِكمةٌ ، وكان في إعادة وصفه جلّ ذكره بأنه ( مالِكِ يوم الدين ) ، إعادةُ ما قد مضى من وصفه به في قوله ( ربِّ العالمين ) ، مع تقارب الآيتين وتجاوز الصفتين . وكان في إعادة ذلك تكرارُ ألفاظ مختلفة بمعان متفقة ، لا تفيد سامع ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجة . والذي لم يحْوِه من صفاته جلّ ذكره ما قبل قوله : ( مالك يوم الدين ) ، المعنى الذي في قوله : ( مَلِك يوم الدين ) ، وهو وصْفه بأنه الملِك . فبيِّن إذًا أن أولى القراءتين بالصواب ، وأحقّ التأويلين بالكتاب ، قراءة من قرأه ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين ، دون قراءة من قرأ ( مالك يوم الدين ) الذي بمعنى أنه يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء ، متفرِّدًا به دون سائر خلقه . فإن ظنّ ظانّ أن قوله ( رَبّ العَالمين ) نبأ عن ملكه إياهم في الدنيا دون الآخرة ، يوجبُ وصْلَ ذلك بالنبأ عن نفسه أنه : مَنْ مَلَكهم في الآخرة على نحو مِلْكه إياهم في الدنيا بقوله ( مالك يوم الدين ) - فَقد أغفلَ وظنَّ خطأ ( 1 ) . وذلك أنه لو جاز لِظانّ أنْ يظنّ أن قوله ( ربّ العالمين ) محصورٌ معناه على الخبر عن ربوبِيَّة عالم الدنيا دُونَ عالم الآخرة ، مع عدم الدلالة على أن مَعنى ذلك كذلك في ظاهر التنزيل ، أو في خبرٍ عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقولٍ ، أو بحجّة موجودة في المعقول - لجاز لآخر أن يظنّ أن ذلك محصور على عالم الزمان الذي فيه نزل قوله ( رب العالمين ) ، دون سائر ما يحدث بعدَه في الأزمنة الحادثة من العالمين . إذْ كان صحيحًا بما قد قدّمنا من البيان ، أنّ عالمَ كل زمان غير عالم الزمان الذي بعده . فإن غَبِيَ - عن علم صحة ذلك بما قد قدمنا - ذو غباء ، فإنّ في قول الله جل ثناؤه : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) [ سورة الجاثية : 16 ] دلالةً واضحةً على أنّ عالم كلّ زمان ، غيرُ عالم الزمان الذي كان قَبله ، وعالم الزمان الذي بعدَه ، إذْ كان الله جلّ ثناؤه قد فضّل أمّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم الخالية ، وأخبرهم بذلك في قوله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) الآية [ سورة آل عمران : 110 ] . فمعلومٌ بذلك أن بَني إسرائيل في عصر نبينا لم يكونوا - مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم - أفضلَ العالمين ، بل كانَ أفضلَ العالمين في ذلك العصر وبعدَه إلى قيام الساعة ، المؤمنون به المتَّبِعون منهاجهُ ، دون من سِواهم من الأمم المكذِّبة الضالة عن منهاجه . وإذْ كان بيِّنًا فساد تأويل متأوِّلٍ لو تأوّل قوله ( ربّ العالمين ) أنه معنيٌّ به

--> ( 1 ) قوله " أغفل " ، فعل لازم غير متعد . ومعناه : دخل في الغفلة والنسيان ووقع فيهما ، وهي عربية معرقة ، وإن لم توجد في المعاجم ، وهي كقولهم : أنجد ، دخل نجدًا ، وأشباهها . وحسبك بها عربية أنها لغة الشافعي ، أكثر من استعمالها في الرسالة والأم . من ذلك قوله في الرسالة : 42 رقم : 136 : " وبالتقليد أغفل من أغفل منهم " .